ابن الجوزي

123

بستان الواعظين ورياض السامعين

فبادروا رحمكم اللّه في هذه الأيام الشريفة ، إلى محو السيئات من الصحيفة . [ 206 ] ضرب مثل في رقة القلب يا أخي الخشبة اليابسة إذا دخل طرفها الواحد في النار عرق طرفها الآخر ، وكذلك القلب إذا كانت فيه حرقة ندامة الذنوب التي حصلت في الكتاب المكتوب الموضوع ، جادت العينان بواكف الدموع ، ولانت الجوارح بالخضوع ، والقلب بالإنابة والخشوع . وأنشدوا : كتبت بأدمعي في صحن خدّي * كتابا بالتذلل والخضوع فقالوا قد عفونا عنك لمّا * محوت قبيح فعلك بالدموع [ 207 ] حكاية عن التوبة ذكر عن بعض الخائفين أنه قال : رأيت رجلا واقفا على صبي من الصبيان في المكتب وهو يمحو لوحا ، وكان اللوح قد كتبه بالحبر ، وكانت الكتابة قد ثبتت ولا تزول بالماء ، فجعل الصبي يحك اللوح بالحبل والتراب ، فقال الرجل الواقف عليه : يا بني مالك تحك اللوح بالحبل فقال : ليزول الحبر الذي ثبت فيه ، فقال له الرجل : والحبل يا بني يزيل الحبر ؟ قال : نعم ألا ترى أن الحبل إذا حك في تنّور البئر يؤثر فيه وهو حجر فيصير فيه من أثر الحبل شبه الخنادق ! فقال الرجل : ذلك بطول المدة ، فقال الصبي : لا يا نعم الرجل إلّا بالحزم والاجتهاد وإياك يا نعم الرجل بعيد الذهن ، قال الرجل : كيف ذلك يا بني ؟ قال : لأني قد قلت لك إشارة لو ألقيتها على قلبك لأفاق وامتحي الحبر الذي عليه ، فقال الرجل : يا بني كان على قلبي حبرا ؟ قال : يا عم وأي لون هو الحبر ؟ قال : هو أسود . قال الصبي : يا عم ألم أقل لك إنك بعيد الذهن ، وأي سواد أشد من سواد الذنوب على القلوب ! فصاح الرجل صيحة وخر مغشيا على وجهه ثم أخذ في البكاء . فقال له الصبي : أما الآن فقد وجدت الدواء لذنوبك ومحوها من كتابك وقلبك . فقال الرجل : يا بني وما الدواء ؟ فقال له : البكاء . فقال : يا بني والبكاء يمحو الذنوب من الكتاب والقلب ؟ قال له : نعم والدليل على ذلك قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن الدموع تطفئ بحار النار يوم القيامة عن الباكي » .